لا تعيريني مولاتي

السطور التالية مستقاة من قصة واقعية، قديمة، جديدة، متكررة لا نهاية لها

مولاتي، لا تعيريني بما خنت قبلك من النساء، فقد تبت و كفرت عن كل خطاياي قبلك، و فاطر السماوات يقبل التوبة النصوح، فما بالك تعاندينني و تعاندين القدر؟ بل انظري إلي مولاتي، انظري إلى عيني اللتان تنظران بحنو إلى يديك و هما تطعنان ظهري، انظري إلى يدي اللتان تربتان على خنجرك المغروس في أحشائي، اسمعي دقات قلبي الذي جرحت ولم يكف عن الصراخ باسمك. من منا الخائن مولاتي؟ أ أنا الخائن و قد غرست اسمك في شراييني حتى و دمائي تسيل على مذبحك، أ أنا الشرير و قد ابتلعت لساني حتى لا ينبس ببنت شفة من أسرارك، أ أنا المحتال و قد أحرقت كل ذكرياتنا و رميت رمادها مع رماد سفني التي قادتني لأرضك، نعم مولاتي، أحرقت كل سفني حتى لا أكون لغيرك، و بقيت اليوم وحدي فوق جزيرة ظننتها جنتك فكانت جحيمي. أنى لي بزورق يأخذني بعيدا عن حبك سيدتي؟ أنى لي بقلب آخر غير قلبي اللعين هذا الذي صار وقفا عليك، أنى لي بقلب آخر أمنحه لامرأة أخرى، تدنسه كما دنست هذا، تأخذه، تسجنه، تغتاله، تمزقه، تأكله بنفس الشراهة التي عهدتها فيك يا من أكلت قلبي

مولاتي، من منا الخائن مولاتي، من منا و قد أمسيت بين ذراعي و أصبحت بين غيرها، من منا و قد صرت أعشق اللون الأحمر القاني، لون دمائي التي أصبحت تلطخ يديك إلى الكوعين، و أسنانك إلى النواجذ، من منا الخائن و قد تحول الحب بين يديك إلى لعبة رخيصة نتنة رماها الأطفال في مزابل النسيان، من منا الخائن و قد نسيت طعم النوم منذ طعنتك الغادرة، لم أعد أنام مولاتي، بل أصبحت أغلق عيني لأحاكي النوام، لم أعد آكل بل أصبحت أبتلع أشياءً مقززة عل الآخرين يظنونني إنسانا يأكل و يشرب و يمشي في الأسواق، لم أعد أفرح مولاتي، لم أعد أحزن، لم أعد أغضب أو أحس، هجرتني مولاتي و أخذت معها آدميتي، و بقيت بعدها مسخا يتخبط وسط أمواج من علامات الاستفهام، لم أعد أنا أنا مولاتي، يوم غادرت غادرتني الابتسامة التي كنت ترسمين على وجهي كل صباح، غادرني شبابي و استقرت مكانه كهولة تقصم الظهر، غادرت نفسي مولاتي، غادرت جسمي و روحي، و سافرت في عوالم الجنون أبحث عنك، أبحث عن نفسي، عن بقايا أشلائي الممزقة التي تركتها آخر حروبنا، حرب أنهيتها بكلمة واحدة لا كلام بعدها : النهاية

نعم مولاتي، انتهى كل شيء بضربة من مطرقتك أيتها القاضية، و المحامية، و الشاهدة، و الجلادة، لبست كل أثواب المحكمة، لم تتركي لي غير ثوب واحد، ثوب المتهم المذنب قبل حتى أن ينطق بالحكم، حكم بالإعدام هجرا، هجر هو أقسى من الشنق، من الحرق، من الرمي بالرصاص، ليتك مولاتي اخترت وسيلة إعدام أرحم، ليتك مولاتي نفذت الحكم بصفة نهائية و لم تتركيني أهيم في الكون لا ألوي على شيء، حي ميت، مسخ غريب لا طائل من وجوده سوى المعاناة، و تذكر ماض وردي تحول فجأة إلى اللون الأسود

مولاتي، لا تعيريني، لاتلعبي دور الضحية فما أبعدك عن الضحية، و ما أبعدني عن الجلاد، لست إلا رجلا، عاشقا حتى النخاع، نام في بحور العشق أياما، ثم استيقظ على خنجرك يلقنه درسا في الحياة، لكن ما أغباه، لا زال يعشقك، لا زال يفكر في أنواع الطيور التي تحبين، لا زال يتذكر الورود الحمراء التي تحبين استنشاقها، لا زال يفكر في هدية عيد ميلادك، لا زال يتفاخر أمام الملأ بحماقاته و بجروحك، و لا زال يعلن وفاءه الغبي للكل، و لا زال يهيم في حبك رغم كل شيء، فرجاءًا مولاتي، لا تعيريني، لست خائنا مولاتي، بل أنت من خنت

التصنيفات: رواية
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *