جنون صعب المنال

هل سبق لك أن سمعت أنين الصمت المطبق؟ أن تبينت أصواته التي لم يخرجها أي مصدر؟ أن سمعت له هديرا يكاد يصم الآذان و يشل الوقت و المكان؟ هل سبق لك أن فككت طلاسم الظلام الأسود؟ أن رأيت أطيافه السوداء التي تحسها قبل رؤيتها، أطياف تأخذ جميع الأشكال، تلعب جميع الأدوار، تعزف على جميع الأوتار، لكنها لا تعرف من الألوان إلا الأسود، ظلام يغلف كل شيء، حزن يضحك ملء الشفاه و يسخر من أصحاب المكان و الزوار على حد سواء.

هل أحسست يوما بالوحدة، لا أتكلم هنا عن الوحدة التي يعرفها الجميع، وحدة التواجد في مكان ما دون ونيس، وحدة منطقية، مؤقتة في أغلب الأحيان، بل أسألكم عن وحدة تفتك بك وسط الناس، ترافقك أينما حللت و ارتحلت، وحدة تجدها في غرفة نومك، في فصول المدرسة، في العمل، بل و في الشارع و في أكبر ميادين المدينة ازدحاما. وحدة لا توجد في أي مكان، بل توجد في قلبك، في داخل قلبك.

هل أحسست ذات يوم بشخص ما، غائب و إن حضر، حاضر و إن غاب، يتأرجح بين الحالتين و لا يستقر في أيهما، ينطق حين يسيطر الصمت، يسطع في الظلام، في أي ظلام، بل في كل ظلام، يفرض وجوده و يرفع شعار : “لا جدوى من المقاومة، المكان محاصر”، يحاصرك و يمنع عنك الزاد و المأوى، يقلب الموازين و قوانين الفيزياء و المنطق، يصنع لك منطقا جديدا، كل منطق قبله عبث، و كل منطق بعده انتحار، يصنع لك دنيا غير الدنيا، كواكب غير الكواكب، مجرات غير المجرات و حدودا غير الحدود، فالحد الوحيد هو حيث لا حد هناك.

هل سمعت ما سمعت؟ هل رأيت ما رأيت؟ هل أحسست بما أحسست أو التقيت بمن التقيت؟ بل قد التقيت اليوم جنوني، جنون صعب المنال،يدعوني و إياكم لحفل على سطح القمر، تعزف فيه كل الألحان في خمس دقائق، ثم أقضي بقية الليل أتأمل خيول الظلام، عل أحدها يمتطيه ملاكي المنتظر، فإني الليلة ها هنا باق و جنوني، فمرحبا بكل المجانين في جنوني، جنون صعب المنال.

التصنيفات: خواطري
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *