النظرات (3)

nadarat“مساؤك سعيد”، التفتت سريعا لأتفقد مصدر تلك العبارة التي انطلقت تلغي خلوتي و تشق الصمت الذي يغلفني منذ ساعات، فإذا بها هي، نفس العينين، نفس النظرات، لكن ابتسامة عريضة، و صوتا حنونا كانا يرافقانهما هذه المرة.

“هل أزعجتك؟”، عاد الصوت يرن في أذني معلنا أن ما أسمعه واقع و ما أراه حقيقة، إنها أنت، يا من انتظرتك أياما و لم تأت، و اليوم أتيت و لم أكن بانتظارك، لم أعد أنتظر شيئا منذ رأيتك آخر مرة، منذ أن أشحت بوجهك عني و غادرت الحديقة و الأفق دون أن تغادري خيالي و أفكاري. و ها أنت اليوم تعودين، وأي هراء تعودين به؟ أ تزعجينني؟ بل حللت أهلا و نزلت سهلا، كل شيء قد يزعجني إلاك : “كلا! تفضلي أرجوك”.

جلست بجانبي، فأحسست بدفء غريب لطيف يغمرني، كأنها الشمس، و بنور ساطع عذب يختلجني كأنها القمر، لا أذكر ما كنت أقول و ما كانت، لكن الزمان التهم دقائقنا بنهم، و ما إن مالت الشمس للمغيب حتى خفتت وتيرة الكلام، و شيئا فشيئا ساد الصمت محيطنا، و لم يقطعه إلا صوتها العذب معلنا : “تأخر الوقت، يجب علي أن أذهب”. راودتني حينها ألف فكرة، أ أقترح أن أرافقها بضعة أمتار؟ أ أطلب منها موعدا آخر؟ أ أخبرها أني سأنتظرها في نفس المكان ما لزم الأمر؟ ألف من الأفكار جالت سريعا بخلدي ثم تلاشت كدخان سيجارة في الهواء، فوجدتني أجيب بكلمتين يتيمتين : “أنا أسعد!”.

بعد هذا اللقاء المفاجئ العذب، قضيت ليلتي أسبح في صوتها و أمخر عباب عينيها، سافرت كثيرا في ذكريات ما حدث منذ أول مرة رأيت فيها تلك العينين، منذ أول مرة حدجتني فيها تلك النظرات. بدا لي كل ما حدث كحلم أقرب إلي من كل واقع، برزخ غريب لا أدري هل توجد كلمات لوصفه، برزخ من النظرات.

التصنيفات: رواية
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *