خويا، عاون الفريق

e74cb3ca076c134296e9c56eb299c42b“خويا، عاون الفريق”، عبارة كثيرا ما نسمعها، بأصوات مراهقين يلبسون ألبسة أندية كرة القدم، يتجولون في الشوارع، و يحملون إناءًا مدثراً بلباس لنفس النادي غالبا، مزركشاً ببضعة قطع نقدية متناثرة فوقه، ينظرون إلى مخاطبهم نظرة تملؤها الثقة، عبارة نسمعها دون أن نلقي بالاً في أغلب الأحيان، و أحيانا قليلة يرمي البعض منا بقطعة نقدية فوق الإناء تشجيعاً “للمواهب الشابة”.

لطالما سمعت نفس العبارة دون أن أتوقف عندها، لكنني حين سمعتها ظهيرة اليوم، التفتت إلى اليافعين اللذين يحملان الإناء، و عادت إلى ذهني ذكريات مأساة مدينة الدار البيضاء، هممت لوهلة أن أخرج كل الغضب الذي شعرت به و أنا أسمع حكايا الفوضى العارمة التي عرفتها المدينة البيضاء العزيزة على قلوبنا، هممت أن أخرج كل الغضب في الوجهين الصغيرين، إلا أنني تمالكت نفسي، عدت إلى رشدي و حاولت أن أرتب أفكاري، هل هذين الصغيرين مسؤولين عما حدث في الدار البيضاء؟ هل من المعقول أن أحمل المسؤولية لهما لمجرد أنهما مشجعين لفريق لكرة القدم؟ هل أقدمت على تصرف متهور؟ ما هو التصرف الصحيح؟ بعد طول تفكير، أدركت أنني أخطئت نفس خطأ من أرعبوا الآمنين في البيضاء، ما حدث في الدار البيضاء ليس له سوى تفسير واحد، أن الأمواج البشرية التي زحفت على البيضاء هي أمواج من الضحايا، ضحايا الجهل و الكراهية العمياء، ما حدث في البيضاء لم يبدأ في يوم الحادي عشر من أبريل 2013، بل بدأ منذ سنوات من التربية الخاطئة، منذ عقود من قلب الموازين و إلغاء القيم الجميلة التي ترعرع عليها آباؤنا، ما حدث في البيضاء هو ثمرة الصمت و اللامبالاة، هو مسؤولية الجميع، مسؤولية الآباء، مسؤولية المربين و المعلمين، مسؤولية كل من اتخذ منصبا من مناصب المسؤولية في بلادنا منذ استقلالها، مسؤولية الصمت العقيم الذي نبتلع به كل المشاكل الصغيرة التي نراها كل يوم و لا نلقي لها بالا، نبتلع به قبولنا للفقر المدقع الذي تعيشه طبقات واسعة من مواطنينا دون أن نقلق راحتنا أو تهتز كروشنا المكتنزة، نبتلع به كل ما يعرفه النشئ اليوم من انحرافات و غياب للأخلاق و انعدام للمثل، من السجائر الملفوفة التي تسوق على أبواب مدارسنا، للكلام البذيء الذي يشنف به الصغار آذاننا كل يوم في كل الشوارع، الراقي منها قبل المتواضع، من انعدام الروح الوطنية و الغيرة على المجتمع، إلى قدوات صغارنا التي تتأرجح بين مغنية تقدم فنا رخيصا و لاعب كرة يضحك ببلاهة، لست أهاجم الفن و لا الرياضة، لكنني أهاجم من يجعل منهما الهدف الأول لشعب بأكمله، و من يلخص معاني البطولة في تسجيل الأهداف و هز الأرداف.

فاجعة الدار البيضاء هي جريمة بكل المقاييس، جريمة كانت أدواتها آلاف من مراهقينا ضحايا الجهل و الفقر و التخلف، مراهقون قد يعاقبون على هذه الجريمة أو على جرائم أخرى، قد يقترفونها في حق أنفسهم و في حق المجتمع مستقبلا، لكن تنصل المجتمع من مسؤوليته فيما حدث لهو جريمة أكبر، و إلصاق تهمة ما حدث بهامش الحريات الذي تحقق ببلادنا كما يروج البعض، و محاولة العودة بنا إلى سنوات السجن الكبير، و الدولة البوليسية، لهي جريمة أفظع لن يغفرها التاريخ لمن يحاولون استغلال ما حدث، لإعادتنا للدهليز المظلم، إن من يحاول إلصاق الفوضى بالحرية، لهو كمن ينصحك بتغيير محرك سيارتك حين تنام العجلات.

الحل؟ ليس لدي عصا سحرية لأسطر لكم بها حلا يعود بنا للمجتمع الفاضل الذي قد نحلم به فرديا، و نحطمه جماعيا، لكن أجزاءًا من الحل هي بيد كل واحد منا، احترام حقوق الآخرين و الدفاع عن حرياتهم، الخصوم منهم قبل الحلفاء، حب الوطن و احترام الآخرين، احترام الاختلاف و تغليب العقل، نشر ثقافة التسامح و تغليب التواصل بدل الحكم المسبق و التعميمات المجانية، و أولا، و أخيرا، التربية، ثم التربية، ثم التربية. ليست هذه سوى بضعة أجزاء من الحل، حل لا يمكن إلا أن نشترك فيه جميعا، لتبقى البيضاء بيضاءًا، و لنضع و بكل ابتسامة و حب، قطعة نقد في إناءٍ يحمله بضعة صبية، و يقولون : “خويا، عاون الفريق”.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *