الاصطياد في الماء العكر

akerإن الخروج بتفسير واضح و متناسق لما حدث و لا زال يحدث في مصر لهو من قبيل المستحيل، فالتيارات المتشاحنة في هذا البلد المستوطن لقلب العالم العربي، جغرافيا و عاطفيا، يسهل تصنيفها في الظاهر، كما يصعب في الباطن، فمع اتفاق المتفقين على أن المصريين الشرفاء يملؤون ردهات كل الأحزاب و التوجهات السياسية، الإسلامية منها (الإخوان و السلفيون)، و اليسارية و الليبرالية، إضافة إلى التوجهات الثورية المحضة التي لا مكان لها إلا في الشارع المصري، إلا أن هؤلاء الشرفاء لن يمنعوا القوى العظمى الداخلية و الخارجية، من نظام سابق، إلى القوى الغربية، إلى القوى الإقليمية المختلفة، بين إيران و دول الخليج، دون إغفال التجاذبات و التنافرات المتعددة بين كل تلك القوى، كل هته المعطيات تتداخل لتعطي فسيفساء لم تتضح بعد معالمها و لن تتضح في القريب العاجل.
و مع صعوبة طرح مجموعة من الأسئلة : أين تذهب مصر؟ من يحرك الأمور فيها؟ الشعب؟ النظام السابق؟ القوى الخارجية على تعددها؟ وسط كل هته المجاهيل، يبقى الثابت الوحيد هو الخطر الذي يتهدد المواطن المصري، و عبره مستقبل مصر بصفة عامة. الخطر يكمن في تحول ما يحدث، سواء أ سميناه ثورة مكملة، أم ثورة مضادة أو انقلاب، إلى مبرر للانتقام من الخصوم السياسيين، و تفعيل الكراهية التي انتشرت نبرتها في الشهور الأخيرة، كراهية سقى نبتتها أفراد من كافة الأطراف، و راح ضحيتها العشرات من أبناء مصر.
ما يبدو اليوم، أن التيار الإسلامي قد خسر المعركة، و ربما بصورة مبالغة بعض الشيء، مما حول خلافا سياسيا، إلى ما قد ينذر، بإيعاز و تحريض ممن يهمهم الأمر، ممن يهوون الاصطياد في الماء العكر و ما أكثرهم في الداخل و الخارج، إلى ما يشبه العداوة الدائمة العميقة، مما قد ينذر بانقسام المجتمع المصري فعليا، بدل انقسامه في الرأي الذي يناقش و يحترم، هي كرة ثلج بدأت مسيرتها في التدحرج، و لن يوقفها إلا توقف المصريين من الفرحة المبالغ فيها من جانب، و من الشعور بالغبن من جانب آخر، و العودة إلى العقل، العقل الذي يقول أن الخطر يكمن في التخوين و المزايدات على وطنية التيارات السياسية في مصر بما فيها التيارات الإسلامية، و الأخطر إسقاط ما حدث في مصر على باقي الدول بما فيها المغرب. العقل يخبرنا أننا أمام منعرج خطير من مسار الأمة، و في المنعرجات الخطيرة، فمن الحكمة التريث و إنقاص السرعة، و ليحم الله مصر، و المغرب، و كل بلاد العرب و المسلمين من كل سوء.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي
رد واحد
  1. تحليل دقيق واسترسال منسق وما جانبت الصواب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *