جنازة رجل

جنازة رجلرفع الوشاح الأبيض، و ظهر لي وجه مألوف بتفاصيل غير مألوفة، كان الوجه على غير عادته شاحبا، سعيدا دون أن ترسم عليه أية ابتسامة، بدا راضيا، قانعا، صامتا يقول كل شيء. و بدا الجسد مسجى فوق لوح خشبي و ملفوف بقماش أبيض، لا يظهر منه إلا الوجه القابع تحت الوشاح الأبيض.

اقترب رجل من أقصى الجسد الممدد، و عقد أعلى الرأس عقدة تعلن أن وقت الوداع قد ولى، و أن من ألقى النظرة الأخيرة قد ألقاها و انتهى الأمر، لم يبق للحضور من أهل و أصدقاء و مشيعين غير الدعاء و الصلاة و الدموع المستحية المختبئة داخل المقل. فجأة و بدون سابق إنذار، يحمل الجسد و الكفن و اللوح الخشبي، و يطير الكل فوق الأكتاف على اختلافها لينتقل من الغرفة إلى باب البيت، حيث تداعبه الشمس للحظات قبل أن يستقر داخل سيارة كتب على بابها الخلفي “كل نفس ذائقة الموت، نقل أموات المسلمين”.

لمسافة ليست بالقصيرة، تسير سيارة الموتى ببطئ و كأنها تمنح الهالك بعض دقائق في دار الفناء، و أمامها، و خلفها، و حولها، تسير أرجل كثيرة و ترتفع أصوات و تخفت، لا تكاد تميز صوتا محددا لكن كل الأصوات تدعو للهالك بنفس الأدعية في تناغم عجيب يبعث على الرهبة. بين الأرجل و الأصوات، رأيت طفلا يتوجه بكل براءة نحو آخر و يسأله : “من الهالك؟” فيجيب الآخر : “عمي”. فيسير الطفلان جنبا إلى جنب في مظهر بعث القشعريرة في أطرافي.

من الصعب تقدير المسافة التي سرناها وراء سيارة الموتى، و لا تقدير الوقت الذي استغرقته الرحلة، فقد بدا أن الوقت قد قرر التوقف و مشاركتنا المسير، كما فعل بعض أهل المدينة الذين كانوا يلتحقون بالموكب الجنائزي بغتة كما يتركونه بغتة، أما باقي المارة، فقد كانوا يقفون إجلالا للمرحوم، إجلال قد يعوض أهل الفقيد حزنهم فخرا و لو إلى حين. لم يكن المارة هم فقط من شارك في المسيرة، بل شاركت الطيور التي كانت تطير فوق رؤوسنا، و الريح التي كانت تعبث بأوراق الأشجار عبثا كأنه عزف ملائكي، بدا كأن الموت قد وحد كل الكائنات التي خلقها الله و فرقت بينها صروف الدنيا، بدا و كأن الموت يفرض على الجميع نظاما دون منظم و لا تنظيم، نظام بديع جعل الشوارع تبدو مختلفة، السماء تبدو مختلفة، الأشجار و السحب و الوجوه تبدو مختلفة، كل شيء يجبر على التوقف و التأمل، حتى شرطيو المرور ما لبثوا يوقفون كل ما سوى سيارة الموتى، ثم يبجلون الموكب بأخلص ما رأيت في حياتي من تحية عسكرية قبل أن يواصلوا تنظيم الجولان بعد مرور الموكب.

بين كل تلك التفاصيل، رمقت طفلا صغيرا لم يتجاوز الخامسة من العمر، يمسك بيده حلوى حمراء اللون يبدو أنه نسي أمرها للحظة و طفق يحدق في الموكب بعينين تحملان كل علامات الاستفهام، رافقت عيناه الموكب حتى توقفت سيارة الموتى، ثم أشار أحدهم أن جاء وقت حمل النعش.

تسابق الناس لحمل النعش و تزاحموا بين شوارع ثم أزقة المدينة القديمة التي ازدادت ضيقا مع مرور الدقائق، و تحول الموكب إلى ما يشبه الأفعى التي تزداد طولا، و راحت أزقة المدينة تردد دعوات المشيعين بمعية ساكنيها و استمر الحال على ذلك حتى تبين الناس لافتة كتب عليها : “باب المقابر”.

اصطف المشيعون في مصلى مجاور لباب المقابر و أدوا صلاة الجنازة، ثم انطلقوا يوصلون الفقيد إلى مثواه الأخير. قبور مبعثرة فوق هضبة تفتقر إلى التنظيم، انطلق بينها المشيعون بكثير من المشقة حتى وصل نزر قليل منهم لمكان القبر المعد للراحل، و انطلقت الأدعية و آيات القرآن تعطر المكان، ثم اختلطت الدموع برائحة التراب بصليل المعاول، و استوى التراب فوق المرحوم كأن لم يكن، و عاد الناس إلى المصلى لتقديم العزاء لأهل الفقيد، و بينما هم عائدون، إذا بامرأة تأتي من لا مكان، و تخترق صفوف الرجال المشيعين كأنها الدنيا تذكر أهل الجنازة بأنهم باقون فيها، و تحذرهم من جمالها و فتنتها، جمال لن ينفع يوم الحشر، و فتنة لا ترافق هالكا في قبر. ثم انطلق اللقلاق يطوف فوق رؤوس الجمع المتفرق، يعلن النهاية، نهاية جنازة رجل

التصنيفات: خواطري
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *