إضراب… ولكن!

coumiraعشية الإضراب الوطني العام الذي دعت إليه مجموعة من المركزيات النقابية بالمغرب، و قبل أن تستعر حرب الأرقام بين من يريد إظهار الإضراب على أنه كان كاسحا و بين من يريد له الفشل، و بعد أن أريق المداد من أقلام الفريقين على صحف الورق و شبكة العنكبوت، لتمجيد إضراب لم يولد بعد أو لوأده رضيعا، ارتأيت أن تحليلا عقلانيا لما سبق قبل يوم الإضراب قد يفيد أكثر مما قد تفيد الأرقام المتضاربة التي لن تتأخر عن البزوغ.

إن تحليلا سريعا لما كتب حول الإضراب يجعلنا نقسم أغلب من كتبوا في الموضوع (إلا من رحم ربك) إلى فريقين مختلفين مبدئيا،لكنه يجعلنا نخرج بنتيجة واحدة على اختلاف المذاهب و التوجهات : أغلب الأقلام تدافع عن موقف مسبق و لا تدافع عن موقف عقلاني، فالعقلانية تستدعي تحليل مختلف المعطيات تحليلا منطقيا قبل الوصول إلى نتيجة تتسم بالتناسق و المنطق، بينما المواقف المسبقة تفتقر في أغلب الأحيان إلى عوامل الإقناع، فلا ترقى إلى التحليل المنطقي، بل تراوح مكانها ككلام يغازل عاطفة من يقاسم صاحب القلم قناعاته. فالأقلام التي دافعت عن الإضراب انتقدت الأداء الحكومي الضعيف، دون المضي قدما في التحليل لإعطاء البدائل، أو على أقل تقدير، لإمساك العصا من الوسط، و إعطاء ما لله لله و ما لقيصر لقيصر، أما الأقلام المدافعة عن الأداء الحكومي، فأغلبها سقط في فخ وصف كل منتقد للحكومة بالاسفاف، دون تحليل لدواعي عدم الرضا عن الأداء الحكومي، فأصبح الحوار المفترض بين الحكومة و المعارضة، حوارا عقيما لا يتم فيه إلا تبادل الاتهامات، و هو واقع لا يمكن معه بناء التجربة الديموقراطية، فانعدام الثقة بين قطبي العمل السياسي، و انفراد كل طرف باعتبار أن الحقيقة المطلقة بجانبه فقط، كلها ممارسات تقود البلاد إلى حالة استقطاب عاطفي بعيد عن العقلانية، استقطاب عانت منه دول شقيقة و لا زالت تعاني، استقطاب قد يبعدنا عن كل ما من شأنه تخليق الحياة السياسية، و هو ما نادى به جلالة الملك خلال افتتاح الدورة البرلمانية الحالية، و ارتضاه نواب الأمة من مختلف الأطياف، على الأقل باعتبار أن السكوت علامة الرضى.

و عليه، فإن إضراب اليوم ناجحا كان أو فاشلا، لن يشكل إلا تنبيها آخر على عدم ملاءمة الممارسة السياسية ببلادنا لتطلعات جمهور المواطنين، فالمواطن البسيط يريد حلولا لمشاكله البسيطة بعيدا عن التجاذبات السياسية، و لن يتأتى ذلك إلا بتبني مقاربة عقلانية منطقية و علمية للممارسة السياسية، سواء من جانب الأغلبية أو المعارضة، و العمل على مصالحة الممارسة السياسية مع الممارسة الأخلاقية، ثم العمل على تغليب المنطق و فتح قنوات التواصل بين الفرقاء السياسيين، فقد نختلف في الآراء، لكن الوطن واحد، و الهوية واحدة، و المستقبل واحد، فلنعمل على جعله مشرقا، و لنعمل على تخليق الحياة السياسية و تغيير واقعها الحالي، الذي يحيلنا على الجملة الشهيرة للفكاهي المغربي حسن الفد : “ما كينش معامن!”.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *