الشباب و السياسة : أسرار القطيعة

130214Feature3Photo1-650_429يجمع كل المتتبعين للشأن السياسي المغربي، أن الحقل السياسي ببلادنا يعيش أحد أحلك مراحله، مرحلة تتسم بطول القطيعة بين المشتغل بالعمل السياسي من جهة، و بين عموم المواطنين، و الشباب منهم بصفة خاصة من جهة أخرى. و إن لم تكن تلك القطيعة وليدة اليوم، فإن ترسيخها بمرور الوقت، و توالي حلقات خيبة أمل المواطنين من وعود السياسيين، يجعلنا أبعد ما يكون عن حلحلة هذه الوضعية الحرجة.

قبل أن نبدأ في تحليل العلاقة بين الشباب و السياسة، لا بد من الإجابة على سؤال بسيط و محوري : ما هي انتظارات الشباب من العمل السياسي؟ الشباب المغربي كأقرانه في باقي أصقاع العالم يرى في العمل السياسي وسيلة لبناء مستقبل أفضل، للفرد و للمجتمع، انتظارات الشباب غالبا ما تكون أكثر طموحا من انتظارات باقي المواطنين، مما يجعل خيبة الأمل من حجم الانتظارات، فالشباب الذي قد يشكل دعامة العمل السياسي السليم، قد يكون أول ضحايا كل السياسات الخاطئة.

من الممكن الربط بين البدايات الأولى للعمل السياسي في المغرب، و عمل القوى الوطنية في فترة الحماية من أجل الاستقلال. كما يمكن اعتبار استقلال البلاد، و ما تلاها من فترات اتسمت بالعنف السياسي، أو ما سمي بسنوات الرصاص، تمهيدا للواقع السياسي الذي نعيشه اليوم. إلا أن المؤكد، هو أن فترات الثمانينيات و التسعينيات من القرن الماضي، كانت فترات عرفت مجموعة من الاستحقاقات الانتخابية، مورست فيها العملية السياسية بطريقة، أقل ما يقال عنها أنها كانت مخيبة لآمال جماهير الناخبين، فمن المتاجرة بأصوات الناخبين، إلى التدخل في نتائج الصناديق، وصولا إلى عدم احترام الوعود الانتخابية التي يقطعها المنتخبون عادة على أنفسهم. كل تلك العوامل أدت إلى اعتبار العملية الانتخابية، و العملية السياسية عموما عملية لا طائل منها.

قبل فترة التناوب، اتسمت العملية الانتخابية عموما بعدم المصداقية، مما أفرغها بشكل مبدئي من ثقة المواطنين فيها، إضافة إلى اعتمادها على قيادات تاريخية لا تتوق لإدخال الدماء الشابة الجديدة للعبة السياسية، فكانت الممارسة السياسية من أصعب و أبعد ما يكون عن الشباب. ثم جاءت فترة التناوب لتشكل نقطة تحول في مسلسل الممارسة السياسية و لتعطي نفسا جديدا و أملا للشباب في المشاركة السياسية، مما أعطى الفرصة لظهور مجموعة من الشباب في الساحة السياسية الوطنية من جهة، و أعطى لتيار اليسار فرصة تاريخية لقيادة البلاد، بعدما ظلت القيادة منحصرة في أحزاب استوفت فرصتها تاريخيا. إلا أنه و بتوالي السنوات، و بتوالي الوزارات المحسوبة على ما سمي بأحزاب الكتلة، سجل الشباب المغربي خيبة أمل جديدة في تلك الأحزاب التي سمحت بمجموعة تنازلات على مبادئها التي طالما دافعت عنها، سيما قبل تبوئها كراسي الحكم.

سنة 2011 سجلت منعطفا آخر في التاريخ الحديث للسياسة المغربية، بدأت برياح التغيير القادمة من الشرق، و المتمثلة في تداعيات الربيع العربي التي تبلورت وطنيا في حراك الشارع المغربي، هذا الحراك و إن كان فرصة لبعض شباب المغرب للظهور على الساحة السياسية، إلا أنه كان بعيدا عن انتظارات أغلب المواطنين، و أدى بشكل غير مباشر إلى صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم، فيما اعتبره البعض انتصارا منتظرا، و ما اعتبره آخرون فرصة أخيرة للنخبة السياسية بعد استنفاذ الأحزاب المحسوبة على الدولة و على اليسار و على التيار الوطني لأوراقها قبل ذلك، إلا أن فترة حكم الإسلاميين اقترنت بمجموعة مشاكل، اعتبرها البعض سوءًا في تدبيرهم للشأن العام، و اعتبره آخرون نتيجة طبيعية لرفض عام لحكمهم من طرف مجموعة متحكمين غير رسميين في الشأن الوطني، و كان من نتائج ذلك، ابتعاد طبقات عريضة أخرى من الشباب المغربي عن الشأن السياسي، و سحب ثقة من كافة مكونات الطيف السياسي الوطني، و ذلك رغم تطعيم مختلف الأحزاب لصفوفها بمجموعة من المناضلين الشباب، و صلت ببعضهم لمناصب مهمة كالمناصب الوزارية، لكن الشعور العام للشباب المغربي يبقى متوجسا من العمل السياسي.

إذا استحضرنا كافة المعطيات السابقة، نصل إلى نتيجة واحدة لم تتغير رغم المحاولات التي لا يمكن إنكارها لكافة مكونات الطيف السياسي المغربي : يبقى الشباب المغربي ينظر للعمل السياسي بخيبة أمل، تنطلق من الواقع المليء بالمشاكل و المثبطات و التي ترى بالعين المجردة في الشارع المغربي قبل أن ترى في التقارير الدولية التي دأبت على رص بلادنا في الرفوف الأخيرة. الأحزاب الوطنية، قبل حراك 2011، و بصفة أكثر وضوحا بعده، أصبحت واعية بدور الشباب في تنظيم و تطوير العملية السياسية السوية و الفعالة ببلادنا، و الرغبة موجودة و مشتركة بين الجميع لإشراك الشباب في اللعبة السياسية، إلا أن كل الجهود المبذولة حاليا، تصطدم بواقع ناتج عن تراكمات تجارب سابقة مخيبة، فتبقى و حتى يومنا هذا مرهونة بين كلمتين: “لا تكفي”.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *