عشرة بالمائة : (الحلقة الأولى)

uOSSC_site_2.0_OR_2“ما آخر طلب تطلبينه آنستي؟” تردد هذا السؤال في خلدي كمئات الأجراس التي تقرع في وقت واحد، فأجبت دون تردد : “دكتور، من فضلك، اسألني عن طلب، لكن لا تسألني عن آخر طلب، فسأدخل قاعة العمليات و سأعود منها”. لم أعرف أي مس أصابني لأقول ما قلته، لم أدر من أين استلهمت كل تلك الثقة و أنا أعلن عودتي من حرب شبه خاسرة سلفا، حرب مع مرض خبيث أصابني و لم يعد ينفع معه إلا البتر و الاجتثاث.
بدأت الحرب منذ ما يقرب الشهرين، دوار بسيط، فحمى و ألم في رأسي لا ينقطعان، فعيادة طبيب ثم أطباء، ثم شيئا فشيئا أصبحت التحاليل و الأشعات و القراءات الطبية جزءًا من حياتي اليومية، إلى أن اتخذ الطبيب المعالج القرار : عملية استئصال ورم في الرأس لا تتعدى نسبة نجاحها عشرة في المائة، معركة قد تبدو للبعض منكم أو لأغلبكم خاسرة مسبقا، لكني كنت أرفض الاستسلام، كنت و رغم كل الظروف، ظروف المرض، و نظرات الأهل و الأحباب و الأصحاب و الجيران و جيران الجيران، نظرات تخرج حنونة متعاطفة من مقل أصحابها لتصل إلى قلبي كسنان مسمومة ترميني بكلمة واحدة لها وقع الخنجر : “مسكينة”.
قررت أن أنتصر، أن أنتصر على نفسي، على جسدي، على المرض الخبيث الذي عشش في داخلي و صار جزءًا مني، قررت أن أنتصر على كل النسب الطبية، و وجدت في طبيبي و في ابتسامتي التي لم تفارقني رغم كل ما مررت به خير عونين. و هذا الصباح، أجد نفسي أمام أول اختبار حقيقي، عملية جراحية، مفترق طرق سأسلك بعده طريقا لم أختره، لكني أحس أنني سأنجح، ثقتي في الله أكبر من كل شيء، أكبر من الثوب الأبيض الذي وضعوني داخله استعدادا للعملية، ألم يجدو غير هذا اللون الذي يشبه لون الكفن، سمعت أنهم يستعملون لمثل هذه العمليات الجراحية أثوابا زرقاء و خضراء و وردية، أيا يكن اللون، سأنجح.
طيلة دقائق الإعداد، احتفظت بروح الدعابة التي عرفني بها كل من يعرفني، من أهل و أطباء و ممرضين، لكن ابتسامتي داخل قلبي كانت تخبو شيئا فشيئا مع اقتراب وقت العملية و اقترابي من قاعة العمليات التي وجدت نفسي فيها بعد حين، حضر الطبيب، لم يجد الطبيب داعيا لطمأنتي فهو يعرف أنني أعرف، أعرف كل شيء عن العملية و عن حالتي و عن خطورتها، و عن نسبة العشرة في المائة التي وضعت لتحبطني دون فائدة، اكتفى الطبيب بابتسامة حنونة امتزج فيها الصدق بالحنان و الأبوة بالصداقة، ثم شرع يزيل جزءًا من شعري، شعري الذي كنت قد طلبت منه ألا يزيله كليا كما تقتضيه مثل هذه العمليات الخطيرة، و مع شروعه في ذلك تغيرت نظرتي، بدأت النظرة الواثقة بالتلاشي و حلت محلها نظرة هلع و ترقب، نظرة انتقلت شيئا فشيئا إلى الطبيب الذي رأى أن استمراري في النظر إليه قد يجعله يفشل في إجراء العملية برمتها، فرأيته يومؤ لأخصائي التخدير بأن يستعد لإبعادي عن عالم الوعي، عالم سيشهد بعد قليل ساعات مصيرية في حياتي، ثم بدأ كل شيء يتلاشى من أمامي شيئا فشيئا، و بدأت تترائى لي ذكريات و ذكريات، و وجوه و أحداث، ثم فجأة، تلاشى كل شيء إلا صفحة سوداء و رقم : عشرة بالمائة

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي
2 تعليقان
  1. احسان السباعي يقول:

    اسلوب مشوق وجميل ينساب بتلقائية دون تكلف وعناء جعلنا نعيش الامل مع البطل الذي يبدو واثقا من نفسه رغم القلق الذي تسرب اليه عند اقتراب العملية وهذا في حد ذاته يحمل لنا تشويق لنعرف الجديد في الحلقات القادمة التي سننتبعها بشف كبير بالتوفيق اخي
    احسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *