عشرة بالمائة (الحلقة الثانية)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقة الأولى من القصة الواقعية “عشرة بالمائة”، المرجو النقر على الرابط التالي

لم تكن الحياة دائما قاسية علي بهذا الشكل، لم تكن دوما مجحفة و لم تدر لي وجهها الفج في سنوات عمري الأولى، بل على عكس ذلك تماما، نشأت كفتاة مدللة، أولى مواليد أبوين متحابين عاشقين، عاشا قصصا و مغامرات قبل ولادتي جعلت من وصولي حدثا منتظرا من طرفهما و من طرف كل أفراد عائلتيهما، كنت مدللة كذلك لأنني كنت البنت الوحيدة في العائلة، كان كل مواليد عماتي و أعمامي و خالاتي و أخوالي من الذكور، حتى أبناء الجيران كانوا كلهم ذكورا، فنشأت كوردة وسط بستان كبير يخلو من ورود غيري. بقيت وحيدة والدي إلى أن ازدان فراشهما بأخي الأصغر و الوحيد سفيان، ما كان مجيء هذا الملاك الصغير ليغير من واقع الأمر إلا ليجعل الأمور تبدو أحلى و يجعل والدي أسعد و أنا معهما.

و رغم كل ما قد يقال عما يفسده الدلال من أخلاق الأولاد و البنات، إلا أن الدلال الذي كنت ألقاه لم يفسد، و بشهادة الجميع، أخلاقي و تربيتي، فقد كان الجميع يناديني : “صاحبة العقل”. لقب كنت أتفاخر به في سنوات عمري الأولى، إلا أنني ما فتئت أدرك ثقله و ثقل المسؤوليات التي يلقي على عاتقي، مسؤوليات كانت تزعج الطفلة التي كنت، لكنني كنت أوفيها حقها دون نقاش، فلم أكن كأي فتاة مدللة تهتم بكل ما هو سطحي و تهمل ما بقي من الأمور، بل كنت و منذ نعومة أظفاري مجدة في دراستي، و كان أبي يشجعني على ذلك، إلى درجة أنه كان يسائلني عن كل نقطة ضاعت مني و حالت دون الدرجة الكاملة، تشجيع كان يدفعني للتفوق لكنه كان يدمر في نفسي الطفلة الصغيرة التي كانت تعيش بداخلي.
لم أكن كثيرة الطلبات كأي فتاة في سني، بل نادرا ما كنت أطلب شيئا خارج مصروفي، مصروفي الذي كنت أدخر منه لأشتري كافة متطلباتي حتى ملابسي، و في المناسبات لم أكن أختار غالي الهدايا بل أرخصها، نشأت قنوعة مراعية لأهلي، غير مثقلة عليهم، مطيعة لهم، لكن كل ذلك لم يمنع كوني سعيدة مع أبوين رائعين و أخ حنون مشاكس، و أهل تغلب عليهم روح النكتة، فكانت اللوحة وردية جميلة بديعة مليئة بالورود، ورود لم أكن أدري أنها تخفي أشواكا جارحة خلفها.
كانت أسعد لحظات حياتي حين أختلي بأحد والدي، و أحس بأمان لا حدود له، فأمي كانت حنونة سعيدة بوجودي، كانت ترى في الشبه الذي بيننا تجديدا لشبابها، كانت ترى فيّ عودة لسنواتها الجميلة التي خلت، لطفولتها، لصباها، لشبابها، كانت تلقنني كل ما علمته إياها الحياة. لم تكن أمي يوما بعيدة عني و لم تكن نفسي تطيق البعد عنها.
كان أبي، بحكم عمله في مركز من مراكز السلطة المحلية، صارما مع الجميع، إلا أن صرامته كانت تتلاشى حين يتعلق الأمر بي، بأخي و بأمي، فقد كانت صرامته تنقلب حنانا و حبا منقطعي النظير. كان يحب بعد عودته إلى المنزل بعد يوم من العمل الشاق، أن يجمعنا حوله و نظرات الفرح و الفخر تقفزان من عينيه البنيتين. كان دائما يجلسني بجانبه، فأحس أنه جداري العظيم الذي سيضحد عني أي خطر. لم أكن أدري و لا هو، أن الخطر الوحيد الذي سيتهددنا يوما لن يأتي من عدو خارجي بل من داخل جسمي.

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي
رد واحد
  1. احسان السباعي يقول:

    جميل ان نعيش بين تنايا هذه الطفلة المدللة ونحس بطفولتها مع ابويها وكيف كانت وكيف ستبح تمنياتي بالتوفيق اخي
    احسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *