عشرة بالمائة : (الحلقة الثامنة)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقات السابقة، المرجو النقر على الروابط التالية :
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة

الحلقة الثامنة :
لن أنسى أبدا نظرة أبي و ضحكته الصفراء التي كان يداري بها هزيمتي و هزيمته، لن أنسى الدموع التي كان يغالبها كي لا تظهر و تزيدني أشجانا فوق أشجان، لن أنسى وقوفه أمام سبورة النتائج، لن أنسى حسرته و هو ينظر لزملائي المنتشين بإنجزاتهم، لن أنسى حسرة أساتذتي التي لم تكن تزيدني إلا ألما، لن أنسى دموع أمي التي سالت غزيرة كريمة قدر حبها لي، لن أنسى أسئلة كل أفراد العائلة الذين استنكروا ما حدث كأنني اخترت أن أفشل هذا الفشل الذريع، أصبحت أكره صوت الهاتف، أكره أن يكلمني أحد ليواسيني أو ليسألني سؤالا سخيفا جدا : “ما الذي حدث يا سارة؟”

إنه امتحان عسير، أن ترى أحلامك الكبيرة، التي كافحت لأجلها مدة طويلة، تتلاشى بصورة بشعة دون أن يكون لك أدنى يد في ذلك، لا خطأً و لا سهواً و لا بأي جريرة أخرى. أسقط في يدي و تقبلت الأمر، لكن والدي و ثلة من الأساتذة الذين درسوني بالثانوية لم يتقبلوا الأمر بنفس السهولة. خاصة و أنني احتفظت ببعض أوراق الووسخ التي استعملتها يوم الامتحان، كنت دوما أحتفظ بمثل تلك الأوراق لأراجع مع أساتذتي و أبي. كل الأساتذة أجمعوا على أن ما تضمنته تلك الأوراق يفوق النقط التي حصلت عليها، على الأقل في المواد العلمية. تولى أستاذ الرياضيات الأمر، و انطلق يبحث عن مكان تصحيح الأوراق، ثم بحث عن أصدقاء له في المجموعة التي صححت أوراق ثانويتنا و تأكد له، بما لا يدع مجالا للشك، أنني كنت ضحية تلاعب، أو لنقل خطأ غير مقصود حتى لا نظلم أحدا. و السبب، شخصين مختلفين يحملان نفس الإسم، وضعهما القدر في نفس المستوى الدراسي.

انتقل أبي و أستاذي إلى الأكاديمية الجهوية لوضع شكوى في الموضوع، وضعوا كل النتائج التي توصل لها أساتذتي على الطاولة، و طلبوا تصحيح الوضع، و هنا، تحجج مسؤولو الأكاديمية بألف حجة، في أول الأمر رفضوا برمته، قبل أن يقترحوا اقتراحا عبقريا يقضي بأن أعيد اجتياز الامتحان في دورة استدراكية خاصة، لكن بعد ماذا؟ بعد أن تحولت من فتاة مجدة طموحة إلى فتاة مدمرة تكره الكتب و الأوراق، تزور طبيبا نفسيا و تتناول المهدئات لتتمكن من النوم دون كوابيس؟

عاد أبي و أستاذي بخفى و حنين، و بخبر مفاده أن سارة الأخرى سرقت مني أول فرحة كنت سأفرحها في حياتي و أهديها لأبي كما أراد، أبي الذي زاد الطين بلة حين قرر، خوفا علي، أن يمنعني من الابتعاد عن بلدتنا القريبة من العاصمة. فلم يكن من الوارد أن أنتقل لمدن بعيدة كأكادير، سطات أو طنجة، حيث كان معدلي يسمح لي بولوج مدارس محترمة، فلم يبق لي بين مؤسسات العاصمة و نواحيها غير كلية مدينة القنيطرة، و ما أدراك ما الكلية في بلدنا العزيز.

الكلية في بلدنا العزيز، مؤسسة تدخل إليها لتجد نفسك في حضن اليأس، يخال لداخلها أن الهدف الوحيد للولوج هو ألا يتشبث لبضع سنين أخرى بلقب طالب بدل لقب عاطل، و فعلا، فلا تكوين و لا تأطير و لا يحزنون، كل يغني على ليلاه و لا أحد يهتم بالطالب الذي يود التحصيل و تقديم أفضل ما عنده. بل أن هذا الأخير قد يصبح مدعى لسخرية أصحابه، أما الأساتذة، فأغلبهم (إلا من رحم ربك) يهتمون ببحوثهم، أو بمشاريعهم خارج الكلية، و آخر همهم هو ذلك الطالب المسكين الذي يصارع الأيام ليخرج من هذا المستنقع الذي لا يرى له مخرجا سوى تنسيقيات المعطلين التي تصطف أمام البرلمان. قضيت في تلك الكلية عامي الأول بعد الصدمة، لكني لم أكن سارة التي كنت أعرف قبل هذا، لم أكن تلك الفتاة المثالية، لم أكن تلك الفتاة الطموحة، لم أعد أهتم بالدراسة كما كنت، كنت كمن ينظر للأيام تتوالى، و للزمن يسابقنا و نسابقه، كنت كمن يعيش ميتا فوق الأرض، دون هدف، دون طموح، دون أمل.

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *