عشرة بالمائة : (الحلقة التاسعة)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقات السابقة، المرجو النقر على الروابط التالية :
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة

الحلقة التاسعة :
لم تكن العودة للحياة بالأمر السهل بعد كل ما حدث، قضيت فصل الصيف كله منهارة، أعيش على الأقراص المهدئة و وصفات الأطباء، فقدت طعم الحياة، فقدت نفسي، فقدت هويتي، كنت أمضي الأيام أتساءل عن المغزى مما حدث، لم تتحطم آمال فتاة مثلي فعلت كل شيء، ثابرت، درست، سهرت الليالي دون جدوى، لتتمكن فتاة اخرى، حالفها الحظ أو الضمير المستتر لبعض الأساتذة، من التفوق و الحصول على فرصة مواتية لولوج معهد مرموق دون أدنى جهد. أين القيم التي كنت أدرسها منذ نعومة أضفاري و أؤمن بها، أين الحق و العدل؟ أين أنا من كل ذلك.

و لأن الزمن لا يتوقف عند شيء، استمرت الحياة، بطعم آخر رديء، لكنها استمرت، دخلت سارة إلى كلية مدينة القنيطرة شعبة الرياضيات، و تغيرت مع دخولها للكلية، صرت لا مبالية، صرت أهتم بكل ما تهتم به الفتيات من تفاهات، كانت غرفتي، حائطي، دفاتري، شاهدا على ذلك، فقد امتلأت كلها بصور لمطربين عرب و عجم، بدأ دولاب ملابسي يتلون شيئا فشيئا بألوان الأنوثة. أصبحت أرافق الفتيات و ألهو لهوهن، أتعرف على عالمهن العجيب الذي لم أكن أعرف عنه شيئا، أصبحت أضحك دون سبب و ألهو دون داع، أمزح دون مناسبة، أصبحت أحادث زملاء الدراسة بعد أن كنت لا أعرف من الأولاد إلا أولاد العائلة و الجيران. اختلط علي الحابل بالنابل، لم يبق لي من الماضي الجميل إلا ذكريات، و طيف كان يظهر و يختفي كدأبه منذ زمن : طيف لشاب يدعى حسن.

ظل حسن يظهر بين الفينة و الأخرى، لكني و بعد مرافقتي للفتيات و أخذي بخبرتهن و استشارتي معهن، تيقنت من أن ما يبثني إياه من مشاعر لم تكن صادقة، فكنت أجاريه غير مصدقة و غير مبالية لما يقول.

ثم ظهر، كان يدعى جابر، ظهر كشلال أخذ في طريقه كل ما وجد من أحاسيس لأحد غيره في قلبي، كان صادقا في كلامه، حنونا، لطيفا، أنساني بطيته كل ما قاسيته قبله، كما أن احترامه لي كان يدفعني إلى أحضان حبه دون أن يترك لي أدنى فرصة للتفكير. أحببت جابر، دخل إلى قلبي دون استئذان و أقفل الباب بإحكام، كانت علاقتنا علاقة لطيفة نقية، مشاعر فياضة لكنها طاهرة، ظننت أن الحياة قد ابتسمت لي أخيرا، لكن هيهات.

لم يكن ظهور جابر ليعفيني من منغصات الحياة العديدة التي أصبحت جزءًا من حياتي اليومية، فقد كان قليل الظهور كثير الانشغال لا يظهر إلا عندما يبلغ بي الشوق مبلغه. و كان غيابه يتركني لواقع كنت فيه أحاول أن أنهض من عثرتي دون جدوى، فتحصيلي الدراسي أصبح كارثيا على أحسن تقدير، فقد كانت الكارثة التي حلت بي العام الماضي لا زالت تثقل علي و تنغص علي حياتي كلما فتحت كتابا و حاولت أن أدرس. إضافة إلى ذلك فقد حالت قلة خبرتي بألاعيب الفتيات و حسن نيتي بكل من ألتقي منهن بيني و بين بناء علاقة سليمة مع بعض من كنت أعتبرهن صديقاتي. فلم أكن أجد صديقا وفيا و لا صديقة، فالأولاد كانوا يرون في الفتاة الجميلة التي يصعب الوصول إليها، و الصديقات اللواتي كن في بادئ الأمر يتوددن إلي، صرن يبتعدن شيئا فشيئا، الواحدة تلو الأخرى، كل واحدة تبتعد و تترك مكانها طعنة غائرة أو طعنات، كان لي في كل طعنة درسا، لكن توالي الدروس جعل مني إنسانة لا تثق في أحد بعد أن كنت أثق في أي أحد، و لا تحكي أسرارها البتة بعد أن كانت كتابا مفتوحا يقرؤه الجميع. لم يعد لي أصدقاء و لا أحباب غير أسرتي، و جابر.

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *