عشرة بالمائة : (الحلقة الرابعة عشرة)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقات السابقة، المرجو النقر على الروابط التالية :
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة
الحلقة التاسعة
الحلقة العاشرة
الحلقة الحادية عشرة
الحلقة الثانية عشرة
الحلقة الثالثة عشرة

الحلقة الرابعة عشرة :
كان البروفسور رشيد طويل القامة، أبيض البشرة، قوي البنيان، حليق الوجه، كان أنيق الملابس و كانت تفوح منه رائحة عطر أصبحت مرادفا للأمان بالنسبة لي فيما بعد. كان وسيما رغم سنه المتقدم، و كان يبدو عليه الوقار و الاحترام و التدين، كانت آيات القرآن و أحاديث الرسول (ص) تلازم حديثه مع المرضى مما يبعث بالطمأنينة في النفس. استقبلنا بابتسامة عريضة كأنه يعرفنا منذ زمن. طلب منا الجلوس ثم سأل دون أن تفارقه الابتسامة الأنيقة : “ما الحكاية؟ من المريض؟”، أردف أبي : “بل هي مريضة، إنها ابنتي…” و أشار أبي في اتجاهي، فاستدار البروفسور إلي و رمقني بنظرة تجمع بين حزم المختص و حنو الأب : “ماذا هناك يا..”. “سارة، اسمي سارة…” استدركت تساؤل البروفسور الذي لم ينطق به، فأضاف : “تشرفنا يا سارة، اسمي رشيد يا ابنتي، هه؟ ماذا هناك؟”. شرعت أتناوب و أبي على سرد حكايتي مع المرض و تناوبي على العديد من الأطباء دون جدوى، و استرسل أبي في حكيه عن اختصاصي أمراض الرأس الذي أصر على مداواتي بحمام بارد، استنكر البروفسور رشيد تصرف المختص، و اقترح على أبي الإدلاء برأيه الطبي إن أراد أبي مقاضاته. ثم طلب منا البروفسور القيام بمجموعة من التحاليل، ثم العودة إليه.

كانت التحاليل الأولية لا تعدو كونها تحاليل دم و إفرازات، و ما هي إلا يومين حتى عدت إلى زيارة البروفسور، مع أمي هذه المرة، و مع التحاليل التي طلبها. عند وصولنا إلى المستشفى وجدنا نفس الصف الطويل في انتظار البروفسور الذي لم يحضر بعد، فأبديت تذمرا يبدو أنه أثار استياء سيدة كانت تجلس بجانبي، فأخبرتني السيدة أن البروفسور ليس مضطرا لاستقبال كل هؤلاء المرضى، فعمله في المستشفى يقتصر على العمليات الجراحية، لكن رغبته في مساعدة المواطنين تدفعه، رغم رفض إدارة المستشفى، لتخصيص جزء من وقته الثمين مجانا لعموم المواطنين. أطبقت فكي بعد سماعي لهذا، و اكتفيت بابتسامة صامتة كانت تقول : “ما أعظمك يا بروفسور”.

جاء دورنا، و استقبلنا البروفسور بابتسامته الحانية العريضة، و أناقته المعهودة، و عطره الذي يجلب لي الارتياح. طلب منا نتيجة التحاليل، فأعطته إياها أمي، و أنا أستطرد : “لا يوجد أي شيء يذكر في تلك التحاليل يا بروفسور”. ابتسم البروفسور و هو يقرأ أوراق التحاليل : “و ما أدراك يا ابنتي؟ هل أنت طبيبة؟” فأجبت : “لا يا بروفسور، إلا أن نتيجة التحاليل توضح أن لكل قياس حد أدنى و حد أعلى، و كل نتائجي تأتي بين الحدين. إضافة إلى أن مختبر التحاليل سلمنا ملخصا يتضمن النتيجة التي أخبرتك بها”. ضحك البروفسور ضحكة وقورة و أردف : “ما شاء الله، جيد يا سارة، إذا فأنت تعرفين أن هذه التحاليل غير كافية لتشخيص حالتك بصورة واضحة، لذا فسنقوم بمسح ضوئي (سكانر) و مسح بالرنين المغناطيسي حتى نتأكد من خلو الرأس من أية شوائب خارجية. و أتمنى أن نحتفظ بهذه الابتسامة و الروح المرحة العالية، اتفقنا سارة؟” كانت كلمات البروفسور منطقية و مطمئنة و مريحة. أذهبت عني القلق، و أحسست معها براحة نفسية ستلازمني طيلة فترة علاجي، رغم كل المفاجئات التي سيخبؤ لي القدر في ما سيلي من أيام.

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *