عشرة بالمائة : (الحلقة الخامسة عشرة)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقات السابقة، المرجو النقر على الروابط التالية :
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة
الحلقة التاسعة
الحلقة العاشرة
الحلقة الحادية عشرة
الحلقة الثانية عشرة
الحلقة الثالثة عشرة
الحلقة الرابعة عشرة

الحلقة الخامسة عشرة :
خرجنا من عند البروفسور رشيد، و بقيت كلماته المطمئنة تدور بخلدي، أحسست تجاهه بمشاعر بنوة خالصة، إعجاب ابنة بأبيها، ثقة لا حدود لها في هذا الإنسان، بل الملاك الرائع. بقي انزعاجه من استمرار حالتي السيئة دونما تشخيص دقيق يمنحني إحساسا بأن هذا الشخص لا يمكن إلا أن يحافظ على أي مريض يدخله تحت حمايته. كنت أحس و منذ أول يوم أنني حالة خاصة يهتم بها اهتماما خاصا، و لم أكن أدرك لذلك سببا.
في اليوم الموالي، توجهت صحبة أمي لتحديد موعد لاختبار المسح الضوئي (السكانر)، وهناك اكتشفت خطورة الفساد الذي ينخر في كل القطاعات في بلادنا. كان قانون “الأوراق في الأوراق” يحكم كل شيء، ففي بلدنا، و حتى حينما يتعلق الأمر بالصحة التي هي حق من حقوق المواطنة، لا بد من أوراق إدارية، تتخللها أوراق نقدية، وإلا… كان مجرد الوقوف لأخذ الموعد يتطلب “أوراقا صغيرة”، نقدية طبعا. أما التعجيل بموعد الاختبار، فلا يشفع له لا حالة المريض الحرجة و لا تأشير الطبيب المختص بالاستعجال، لا شيء يشفع إلا “الأوراق الكبيرة”، و كانت لهفة أمي هي من دفعها لقبول هذه المهزلة و التعامل معها على مضض.

و جاء اليوم الموعود، و توجهت رفقة أمي الحبيبة، التي رافقتني في جل مراحل مرضي، نحو مركز الماسح الضوئي، جلسنا في قاعة انتظار ننتظر، و كان ما شاهدته في قاعة الانتظار تلك كفيلا بأن أحس أن الله سبحانه قد أنعم علي بأخف البلاء، و أن ما أعانيه ليس شيئا بالمقارنة مع ما يكابده البعض، فقد كان الماسح الضوئي تابعا لمصلحة المستعجلات، و ما أدراك ما المستعجلات! ففي نفس الغرفة أدخل الطاقم الطبي حالات يرثى لها القلب، حالة لرجل ممزق الأطراف، و آخر أخرج لتوه من سيارة جنح بها عن الطريق فكان ما يسمى “بالحادث المروع”، و كان مسك الختام رجل اعتُدِي عليه بفأس فهشم ظهره و رأسه و أجزاء أخرى من جسده، فأصبح أقرب إلى الموتى منهم إلى الأحياء. رأيت كل تلك الفظاعات فحمدت الله على ما أنا فيه من حال.
وصل دوري، و أنا أتضور جوعا، فقد طلب مني ألا آكل قبل الاختبار، علما أن دوري لم يصل قبل ساعة متأخرة من الظهيرة. دخلت إلى قاعة الاختبار، طلب مني الطاقم نزع كل ما هو معدني في ملابسي. ثم قاموا بإدخال رأسي في الماسح الضوئي، ثم بدأ الاختبار، و ما هي إلا دقائق حتى انتهى بعد أن شاهدت مجموعة صور مقطعية لرأسي تتراقص على مرمى بصري.
خرجت من قاعة الاختبار، فإذا بي أفاجؤ بمجموعة من الأطباء مجتمعين في قاعة الفحص، ما إن خرجت حتى صمت الجميع، و استدار الجميع إلي، الكل كان ينظر إلي نظرة تجمع ما بين الدهشة و الشفقة، توجهت نحو الدكتور مصطفى، المسؤول عن الفحص لأستفهم عن ما يحدث، فإذا به يزيد منحيرتي بسلسلة من الأسئلة التي لم أجد لها سببا : “هل سبق أن تناولت دواءًا دون وصفة طبية؟ منذ متى و ألم الرأس يلازمك؟ هل سبق و أن كنت ضحية حادثة سير؟ هل سبق لك أن سقطت سقطة عنيفة في طفولتك؟ ألا تحسين بتثاقل في أطرافك اليسرى؟ هل نظرك سليم؟ هل سمعك سليم؟ هل سبق لك أن فقدت دما كثيرا؟… دوامة من الأسئلة التي كانت تزيد من قلقي و تدفعني نحو سؤال كبير : لماذا كل تلك الأسئلة؟ طرحت هذا السؤال على الدكتور مصطفى فلم يشف غليلي بإجابة شافية، بل طلب مني الإجابة دون أسئلة من طرفي، أجبته على ما استطعت من أسئلة. أخبرني حينها أنه يجب على العودة غدا بعد أن أقوم بمجموعة تحاليل صباحاً، و بعد أن آخذ قرصا وصفه لي. لم أستوعب حينها سر ما حدث، لكنني أحسست أن أمرا خطيرا ينتظرني في الغد، و هو ما كان.

التصنيفات: رواية, عشرة بالمائة
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *