عشرة بالمائة : (الحلقة الثامنة عشرة)

uOSSC_site_2.0_OR_2للعودة للحلقات السابقة، المرجو النقر على الروابط التالية :
الحلقة الأولى
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة
الحلقة السادسة
الحلقة السابعة
الحلقة الثامنة
الحلقة التاسعة
الحلقة العاشرة
الحلقة الحادية عشرة
الحلقة الثانية عشرة
الحلقة الثالثة عشرة
الحلقة الرابعة عشرة
الحلقة الخامسة عشرة
الحلقة السادسة عشرة
الحلقة السابعة عشرة

الحلقة الثامنة عشرة :
رغم كل محاولات أبي لتدبير موعد لاختبار الرنين المغناطيسي في اليوم نفسه، و رغم تفهم صاحب سيارة الأجرة الذي ظل ينتظر معنا كفرد من العائلة حتى أحصل على موعد الاختبار، و رغم كل المحاولات، لم يتسن لأبى تدبير موعد الاختبار إلا ليوم الغد، و رغم أنه زمن قياسي بالنظر لما تعانيه الأغلبية الساحقة المسحوقة من المرضى في بلدنا الحبيب، إلا أن أبي لم يكن راضيا عن نفسه، كان يخاف علي خوفا لا حدود له، و لم يكن يريد تأخير الاختبار الذي طلبه البروفسور رشيد، لكن مشيئة الله كانت الأغلب على كل حال. عاد أبي لمنزلنا بالبلدة الصغيرة يجر أذيال خيبة كان الوحيد الذي يحس بها، كنت أنا و أمي فخورتين بأب حقق ما يعد في بلدنا مستحيلا.

عاد أبي إلى بلدتنا، و عدت و أمي إلى المستشفى صباح الغد، و بقينا ننتظر قبل أن يطلب منا المسؤول عن اختبار الرنين المغناطيسي العودة بعد الظهر، ذهبنا إلى مقصف المستشفى لنأخذ قسطا من الراحة، بحثنا عن مكان نجلس فيه فلم نجد إلا مقعدين بجانب عائلة مكونة من أم و ابن و ابنة، بدا لي و كأنني أعرفهم من قبل. تقدمنا نحوهم و طلبت منهم أمي الإذن بالجلوس، فردت عليها الأم ردا طيبا، استأذنت بدوري الشاب أن يفسح لي المجال للمرور للكرسي الذي سأجلس فيه، فإذا به يكشف عن رجل كانت مختبئة تحت طاولته، أو لنقل بقايا رجل، و هناك تذكرت أين رأيت أفراد تلك العائلة.
كان هذا ابراهيم، شاب في مقتبل العمر، تعرض لحادثة أثناء استعماله لدراجة نارية خفيفة، تقدمت نحوه سيارة مسرعة أخذته في طريقها نحو عمود كهرباء، فبقيت رجله أو ما تبقى منها مهشمة بين حطام السيارة و الدراجة النارية و العمود، لتنقلب حياة الشاب رأسا على عقب في لحظة. عرفت كل ذلك أثناء مشاهدتي لنشرة الأخبار قبل أيام، إذ ظهر فيها ابراهيم و ظهرت أخته و هما يحاولان تحسيس المشاهدين حول خطورة السياقة المتهورة و آثارها. يومها، لم أنس ابتسامة ابراهيم التي لم يخسرها رغم خسارته لرجله، ابتسامة ساعدتني دون أن يعرف أحد على أن أحتفظ بابتسامتي وسط كل ما ألم بي، ابتسامة شاءت الأقدار أن أراها ثانية عن قرب.
أخبرت أمي عن ابراهيم، فما كان منها إلا أن انبرت تسأل أمه عن حالته و عما أخبرهم به الأطباء، فما كان من أم ابراهيم إلا أن أعادت السؤال لأمي التي أخبرتها عن حالتي، فوجدت كل من السيدتين العزاء و المواساة لدى الأخرى، و وجدت أنا في ابراهيم رفيقا لدرب المعاناة أتقاسم معه كل آلامه و آلامي، و يشجع كل منا الآخر على تخطي الجراح.
ودعت ابراهيم و أسرته دون أن أعرف أنه سيصبح من أقرب المقربين إلي في الأيام المقبلة، و توجهت صحبة أمي نحو قاعة الاختبار بالرنين المغناطيسي، بدأ الاختبار بأن طلب مني العاملون عليه التجرد من ملابسي، و ارتداء سترة سماوية اللون، أكثر ما ضايقني فيها أن ظهرها شبه عار، فأصريت على عدم لباسها أمام أنظار العاملين في قاعة الاختبار، ثم بعد ذلك بدأت أتحرك في أركان الغرفة لأحمي ظهري من أنظارهم، حتى أنهم صاروا يضحكون من تصرفي، و يقسمون أنهم لن يفتحوا أعينهم. أثار تصرفي هذا موجة من الضحك في مكان لا يعرف الداخلون إليه في أغلب الأحيان إلا البكاء و الشكوى.
بدأ الاختبار، و قد كان صعبا جدا عكس اختبار المسح الضوئي، لكنني التزمت بما طلبه المسؤول عن الاختبار مني، طلب مني المسؤول عدم الحراك فلم أتحرك، حاولت أن أغوص بعيدا في أفكاري و ذكرياتي. تجولت بين كل الذكريات السعيدة و الحزينة، إلى أن وصلت إلى “مينو” قطي الصغير الجميل الذي كان يلازمني طيلة الوقت. كان مينو أغرب قط وقعت عليه عين إنسان، كان لقائي معه غريبا، و حكاياته معي و مع مرضي أغرب.

تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *