شعارات

scrutin_elections_marocليس هناك ما يروج في هته الأيام أكثر من الشعارات، شعارات انتخابية في كل مكان، في أحاديث الناس البسطاء و برامج التلفاز و أمواج الراديو و الصحف، و حتى في المنشورات الانتخابية التي أضحت تلوث شيئا فشيئا شوارعنا و أزقتنا و تشكل عبئا ثقيلا على عامل النظافة البسيط. تتعدد الشعارات و تتنوع، لكنها تصب كلها في قالب واحد : كلها شعارات عامة، لا يرافقها تفسير أو شرح أو تعاقد يشجع المواطن البسيط على إبرام عقد الشراكة السياسية مع حزب أو مرشح ليمثله على الصعيد المحلي أو الجهوي. بكلمات أخرى : شعارات فارغة لا تلوي على شيء.
و إذا كانت هذه الشعارات لا تشكل إلا عنوان النص، فلب النص ليس بأحسن حالا، فإذا استثنينا صور المرشحين، و رموز الأحزاب المختلفة، و جمل أخرى فضفاضة لا تزيد طين الشعارات إلى بلة، فلا نجد بنودا واضحة أو مشجعة للمواطن ليوقع العقد الانتخابي، و لتجيب على سؤاله : لماذا سأصوت؟ لماذا سأتحمل مشقة التنقل و التفكير و أخذ قرار لا أتوفر على معطيات منطقية للحسم فيه؟ لماذا قد أفضل القنفذ الأزرق على القنفذ الوردي؟ علما أنه ليس في القنافذ أملس!
الإشكالية الانتخابية معقدة جدا في بلادنا، و محللها قد يجد نفسه مضطرا للغوص فيها على مستويات متعددة. المستوى الأول : جدوى الانتخابات، و هنا، من الناحية النظرية على الأقل، يمكن الاتفاق على أن الانتخابات وسيلة لإيصال صوت “الأغلبية” و تفعيل خيارهم، و رغم أن كل الصعوبة تكمن في تكريس هته الأهداف، إلا أن هذا المستوى يبقى أقل عرضة للتفنيد. المستوى الثاني، و هو العقبة التي تجعل حمار الشيخ يقف طويلا، هي الاختيار.
الاختيار عموما قد يكون لأسباب موضوعية أو غير موضوعية، الأسباب الغير الموضوعية تتأرجح بين دوافع أسرية أو قبلية، أو ما هو أدنى من ذلك كمجاملة جار عزيز أو صديق حميم، أو و بصفة مباشرة بيع الأصوات لمن يدفع أكثر. و هي كلها أسباب تجتمع في إبعاد الفعل الانتخابي عن أهدافه الأساسية و تجعل منه كرنفالا لا يمت بصلة لما خلق له.
و لأن نصف الكأس الفارغ يشي بأن نصفه الآخر مملوء، فهناك أسباب موضوعية قد تدفع المواطن البسيط، الذي يفكر بصورة عقلانية و موضوعية للانخراط في التمرين الانتخابي، بالتحليل و التفكير قبل اتخاذ القرار، إلا أن هذا النوع من الناخبين يجد نفسه مدفوعا خارج الدائرة، فكيف لناخب يفكر و يحلل أن يقبل طريقة التعامل السائدة بين كل الأحزاب و هذا الناخب، كيف نريد لهذا المواطن أن يصوت لأجل حزب لا يروج لبرنامجه الانتخابي كما يروج لرمزه و لصور مرشحيه، كيف له أن يصوت على حزب لا أهداف واضحة له، كيف له أن يصوت على شعارات قد يخطها تلميذ نجيب في أقسام التعليم الابتدائي بسهولة، و بأخطاء لغوية أقل من تلك التي نرى في منشورات الأحزاب و لافتاتها، كيف له أن يصوت لحزب يلوث حيه و مقر عمله و مدينته و حديقة استجمامه، يلوثها جميعا بمنشورات يبدو أن الهدف الوحيد منها هو إزعاج الذوق العام و جعل الفعل الانتخابي فعلا مقززا، كيف له أن يصوت على أحزاب لم تستطع أن تتحلى بالشجاعة الكافية لإعلان الترتيب الحقيقي لمرشحيها في “اللوائح الانتخابية” و بالتالي تفضل اللبس على الغموض طمعا في مصوت قد يختلط عليه الأمر و يختار صورة عزيز لا حظ له أصلا في “النجاح”. كيف لكائن انتخابي منطقي و عقلاني، أن يتجاوز كل هته التناقضات و يختار المشاركة في عملية لا تحترم كيانه و لا ذكاءه و لا عقلانيه.
من هنا، فإن الكائن الانتخابي، و الذي هو الفيصل في عملية الاقتراع، ينقسم إلى قسمين : كائن يكسر أهداف العملية الانتخابية ببعده عن المنطق، و كائن آخر يبعده منطقه البعيد عن منطق و طريقة تسيير الأحزاب السياسية للأمور عن الاقتراع و يجد نفسه أقرب إلى مقاطعة التصويت، خاصة مع استحضار تراكمات التجارب السابقة بخيباتها و انكساراتها. و من ثم، فكلا القسمين يفرغان العملية الانتخابية من محتواها، و يبقى لنا منها كرنفال، و أوراق، و … شعارات.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *