ليس حبا في ثويزا…

DSC_0493أكثر ما تزخر به “منابرنا الإعلامية” الوطنية، و خاصة الإلكترونية منها لا يعدو كونه زوابع في فناجين يبقى الهدف الأول منها هو التهافت نحو ترويج المنتوج “الصحفي” بأي ثمن. و تشتد وطأة أعاصير الصحافة الصفراء مع اقتراب المواسم الانتخابية، فتجد كل ما له أو ليس له علاقة بحزب ما، يمجد من هنا و يقصف من هناك. فتصبح العملية الإعلامية و السياسية فرصة لتصفية الحسابات و المزايدات التي قد ينتفع منها البعض. لكن أثرها الهدام يأخذ في طريقه الكثير من مبادئ كل حوار سياسي من شأنه الارتقاء بالنقاش إلى المستوى المطلوب لتحقيق الحكامة اللازمة لأي تقدم في المسار الديموقراطي الذي نرتضيه لأنفسنا.

أزمة السيجارة التي اندلعت على صفحات بعض المواقع الإلكترونية ثم انتقلت الى مواقع التواصل الاجتماعي ليست إلا مثالا حيا على الزوابع التي سبق و أشرنا إليها. للذين لم يتتبعوا ما حدث : في مهرجان ثويزا بطنجة، المنظم من طرف مؤسسة محلية تعنى بالثقافة الأمازيغية المتوسطية، و الذي تتنوع فقرات برنامجه بين ندوات ثقافية و سهرات فنية. حدث في آخر يوم من أيام المهرجان برسم دورة 2016 (الدورة الثانية عشرة) نقاش بسيط بين مقدم المائدة المستديرة الختامية و أحد الضيوف حول سيجارة. الضيف هم بإشعال سيجارة كعادته خلال ندوتين منظمتين في اليومين السابقين. لكن مسير المائدة المستديرة رفض أن يتم تدخين السيجارة في فضاء الندوة، فما كان من الضيف إلا أن امتثل و خرج للتدخين خارج القاعة قبل العودة إليها بعد ذلك و تستمر المائدة المستديرة كما أريد لها.

إلى حدود ما كتب في السطور أعلاه، لا يعدو الأمر كونه اختلافا بين شخصين لكل منهما وجهة نظر : المسير التزم بالقانون المغربي الذي يمنع التدخين في الأماكن العامة (رغم عدم تطبيقه في أي منها للأسف)، و الضيف لم يفعل غير تكرار ما كان يفعله قبلها بيوم و يومين في نفس الفضاء و بمناسبة نفس المهرجان ملاحظا خلو القاعة التي تقام فيها المائدة المستديرة من أي إشارة إلى أن التدخين ممنوع، خاصة و أنه التزم بطلب المسير دون إثارة أية بلبلة.

البلبلة التي انطلقت كان مصدرها من خارج القاعة، فبعد ساعات تناسخت المقالات التي تتحدث عن “أزمة السيجارة” و “فضيحة ثويزا”… بين قلم يحقر من تصرف المسير و آخر يسب الضيف المصري و يصفه بالعجرفة… و الحقيقة أنه سوء فهم بسيط كان سيقبر في مهده لولا أن القدر أراد أن منظمي المهرجان أو جلهم ينتمون لحزب سياسي معروف على الساحة المغربية، لذا ظن البعض أن ضرب المسير أو الضيف أو ضرب المهرجان بصفة عامة من شأنه إلصاق السوء بمنظمي المهرجان و الحزب الذي أريد ربطه بهم. و هنا أرى أنه من الواجب توضيح بعض النقاط :
ـ إنه لمن البليد و الشرير في نفس الوقت السعي بالشر بين الأشخاص و الشعوب، و السعي لكسر أواصر الود مع ضيف عزيز على المغرب، اتفقنا معه أم اختلفنا فهو جاءنا ضيفا و غادرنا ضيفا، و ليس من شيمنا تحقير الضيف أو السعي بالبغضاء بين شعبنا و شعوب الأرض، فنحن في بلد التسامح إن كانت ذاكرتي قوية بما يكفي.
ـ المسير و الضيف مخلوقان آدميان، لا يرقيان إلى صفتي الألوهة و النبوة، و بذلك فهما ليسا معصومين من الخطأ، فربما وجب علينا التماس العذر لأحدهما أو كليهما إن ثبت الخطأ في حقهما.
ـ مهرجان ثويزا بدأ سنة 2005، في وقت كان الحزب الذي يراد إلصاقه به لم يولد بعد. إضافة إلى أننا لم نر يوما في هذا المهرجان دعاية مباشرة أوغير مباشرة حتى لهذا الحزب أو لأي حزب آخر. فثويزا كان دائما مناسبة لتعاطي سكان و زوار مدينة طنجة مع الثقافة او الفن. قد تحدث أخطاء ما في إعداد أو إخراج المهرجان، قد نتفق و قد نختلف مع المنظمين في مجموعة من النقاط، لكن نحترم مجهوداتهم و نقدرها، و ننتقدهم لتطوير تجربتهم و إهداء نسخ أجمل إلى مدينة طنجة في القادم من الدورات.

ما قيل حول “أزمة السيجارة”، قاله البعض قبلها حول حضور الشاعر “هشام الجخ” لطنجة و ما صرفه منظمو ثويزا لهذا الصدد، و حول المستوى الهزيل للشاعر، متناسين أن الشاعر قدم عرضه في قاعة لم نرها في طنجة ممتلئة عن آخرها قبل قدومه، رغم أنها استضافت مثقفين و فنانين و سياسيين مغاربة و غير مغاربة. نسينا أن العيب في منظومتنا الثاقافية العقيمة التي تخرج مبدعين بلا إبداع و إبداعا بلا مبدعين، و تحاملنا على الشاعر الضيف و على مستضيفيه.

أزمة السيجارة، أزمة الشاعر، و حتى أزمة حفل الزفاف الأخيرة، كلها فقرات من سلسلة تصفية حسابات رخيصة تبرز الممارسة السياسية المغربية في أحقر تجلياتها. و تضرب لنا موعدا مع تخليق الحياة السياسية في بلدنا، مع الديموقراطية الحقيقية، مع النقاش الحقيقي للأفكار و المواقف بدل نقاش الأشخاص و الأحداث، مع تدبير الاختلاف بدل استحداث الخلاف… تضرب لنا موعدا مع كل ذلك، لكن، بعد قرون لا يعلم عددها إلا مقدرها. و لذا فكل ما قيل و ما قد يقال ليس حبا في ثويزا، بل كرها في الابتذال الذي يجرنا إلى القاع السحيق جرا.

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *