يوميات مواطن مجنون : سدّ فمّك!

albert-einstein-optimملحوظة : أي تشابه بين شخصيات و وقائع و كلمات و حروف هذه السطور و أي سطور أخرى هو من قبيل الجنون، الجنون لا غير…

المجنون هو شخص مختلف، يفكر بطريقة، و منطق، يختلف عن منطق من حوله في أمور قد تبدو بديهية. و بتطبيق هذا التعريف البسيط، و بالنظر إلى منطق أغلب أو جل و ربما كل من حولي، خلصت إلى كوني مجنونا، مجنونا بحتا لا يقتسم مع أقرب المقربين إليه و لو ذرة منطق صغيرة، فمن أراد دخول عالمي المجنون و تقاسم أسراره و اكتشاف خباياه و دهاليزه، فليستمر في القراءة، أما من أراد الاحتفاظ بعقله، فليقف هنا و لا داعي أن يقرأ لهذا المواطن المجنون بعد اليوم، فهو مجرد مجنون.
لم يكن تشخيص حالة جنوني وليد الأمس، بل هو اكتشاف قمت به منذ مدة، بدأت أحس أن الآخرين لم يعودوا يفهمون ما أقول و لا أنا أفقه من أقوالهم شيئا. أصبح المنطق (الذي أظنه منطقا) ينكسر كل يوم و تسقط منه قطع جديدة. لم أعد أفهم كلام الناس و أفعالهم و ردود أفعالهم، بل بدأت أرى لهم ردود أفعال لا أفعال مسبقة لها. بدأت أفكر في آلاف الحلول و الاحتمالات لوضع كهذا يتفاقم كل يوم فيزداد تأثيره علي سوءًا، لكني في نهاية الأمر خلصت إلى نتيجة بسيطة تفسر كل شيء و تعطي للمنطق الذي أعرف بعضا من حقه في الوجود : أنا مجنون.
مجنون من يظن أن التشخيص قد يشفي المرض، أن الأفكار المجردة قد تتحول بقدرة قادر حلولا تنزل إلى أرض الواقع دون عناء، مجنون من يظن أن سنينا و عقودا من الجهل و الفقر، فقر ذات اليد و ذات الفكر و ذات الأخلاق، قد تلغى ببعض النوايا و لو كانت حسنة، مجنون من يظن نفسه عاقلا وسط كل هذا الجنون الذي يغلف كل ساحاتنا و بيوتنا و حقولنا و مصانعنا و كل متر مربع و مكعب نطأه أو نزوره أو ننظر إليه. و قد كنت ذاك المجنون. كنت مجنونا حالما بعالم نختلف فيه و نكمل تدخين لفافاتنا في هدوء مرتشفين قهوتنا و شاينا دون أن نضطر إلى الشتم و اللكم و الجفاء و الازدراء. لكن العقل أراد غير ذالك.
ولكن، و لله الحمد عدت إلى رشدي، عدت على يد صديق ذكرني بأن الخيار الذي يبقى لي لا يخرج عن اثنين لا ثالث لهما، قبول هذا الوضع المجنون (أنا أراه مجنونا لأنني مجنون، لكن معشر العقلاء يرون فيه عين العقل)، أو إقفال فمي : “اللي بغا يفهم مرحبا، اللي ما بغاش يسد فمو…” كم كانت كلمات صديقي لطيفة كرصاصة رحمة أطلقها على ما بقي من جنوني، فعلا، يجب على المواطنين المجانين أن يصطفوا إلى جانب إخوانهم العقلاء، أو أن يقفلوا أفواههم، فما معنى المنطق في بلد لا يعرف المنطق لها سبيلا.
ما معنى أن تفكر في مصلحتك و مصلحة بني بلدك؟ و من تكون أنت أيها المجنون لتعرف أفضل من العقلاء الذين يفهمون و يعلمون و يعدون و يخلفون؟ و رغم ذلك فهم أفضل منك عقلا و خلقا و خلقا. ما معنى أن تطلب منهم ضمان يومك و مستقبلك و مستقبل أولادك؟ أ تشك في نياتهم الصافية و أرواحهم الملائكية؟ هل ترى أنهم لم يصلحوا ما أفسد الزمن كما وعدوا؟ أو أنهم قد زادوا الطين بلة؟ هل ترى أنهم ما حفظوا عهدا و لا صانوه؟ أم أنهم فضلوا صالح الآخرين على صالحك و عفوا عما سلف من جنون البعض (الذي هو عين العقل)؟ بل عد إلى رشدك، قف مع العقلاء صفا و صفق لهم و امنحهم صك استعبادك مهما بدر منهم، فهم أدرى و أعلم و أصلح منك على كل حال، و إن لم تستطع صبرا فأقفل فمك الذي لن يصلح من الأمر شيئا فأصحاب الأمر سيبقون أصحاب الأمر و بمباركة من مجانين كانوا مثلك لكنهم عادوا إلى رشدهم، فصمتا جميلا ما دام الجنون ديدنك.
في هذا العصر الذي اختلط فيه العقل بالجنون، في عصر لم يعد للمنطق أي تأثير، لم يعد له إلا زاوية يقف فيها ليتلقى الضربات تلو الضربات، يصبح المنطق جنونا و الجنون عقلا، و يصبح منطق الغاب و الاستقطاب و منطق الحكم للأقوى، أو للأرعن سائدا، و يبقى الجنون سيد الموقف على الضفتين، و أينما وليت وجهك ترى المجانين يمنح بعضهم بعضا جرعات من الكره المجاني، فتحمد الله أن لم يجعل للأسلحة سلطة في حينا، و تدعو الله أن يبقى الوضع كذلك و إلا فالمستقبل سيكون مصبوغا باللون الأحمر

التصنيفات: مقالات
تستطيع متابعة أي ردود على هذه التدوينة من خلال RSS 2.0 feed.تستطيع أن تترك تعليق, أو Trackback من موقعك الشخصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *